اسد حيدر
47
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
وكان العباس بن الحسن بن الحسن « 1 » واقفا على باب داره وأمه تراقبه وقلبها كجناح الطير من الخوف ، فقبض عليه الشرطة ، فأخذتها الدهشة ولم تستطع شيئا في الدفاع عنه ، إلا أنها طلبت منهم أن تشم ولدها وتودعه ، فكان الجواب بشدة وغلظة : لا يكون ذلك ، وقبض على محمد بن عبد اللّه بن عمرو ابن عثمان بن عفان أخو بني الحسن لأمهم ، فأحضره أمامه وكلمه بما لا يليق ذكره ، وأمر بأن يشق إزاره لتبدو عورته ، وأمر بضربه بالسياط فضرب حتى سال دمه ، وأرجعه لإخوانه فأقعد إلى جنب أخيه عبد اللّه بن الحسن ، وكان قد أخذ العطش منه مأخذا فاستقى ماء فلم يجسر أحد أن يسقيه إلا خراساني رق عليه فسقاه ماء . ثم أصدر المنصور أمره بحملهم من المدينة إلى العراق ، بعد أن أثقلوا بالحديد وضربوا بالسياط ، وهو مطرب لنغمة السلاسل ، وأنين المعذبين ، فسار ذلك الموكب في شوارع المدينة محاطا بالجند ، وهو يسرع الخطى من المدينة إلى الكوفة ، إلى مقرهم الأخير فأودعوا ذلك السجن المظلم ، الذي لا يعرف فيه الليل من النهار . لقد أودعهم المنصور في بطن الأرض ، وفعل بهم ما لا يفعل الحيوان المفترس بفريسته ، وعاملهم بأقسى ما يتصور من الشدة ، فهم لا يعرفون الليل من النهار ، وكان الواحد إذا مات من شدة العذاب بقيت جثته ما بينهم ، وهم صابرون محتسبون ، يتلون الكتاب ، ويقيمون الصلاة ولا يعرفون أوقاتها إلا بأجزاء من القرآن يقرءونها ، وكانت خاتمة مطافهم أن هدم عليهم السجن فماتوا تحت أنقاضه . الإمام الصادق ومشاكل العهدين : وعلى أي حال فقد لقي أبو عبد اللّه في هذين العهدين كثيرا من المشاكل ، فهو في العهد الأموي عرضة لأخطار أولئك القوم الذين يكيدون آل محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ويتوقعون الفرص للفتك بهم ، وهو في عصره عميد البيت النبوي وسيد الهاشميين ، والمبرز من آل محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومن رجال الأمة الذين كانوا يهم الدولة أمرهم باتجاه الأنظار إليهم ،
--> ( 1 ) هو العباس بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن أبي طالب وأمه عائشة بنت طلحة الجود بن عمر بن عبد اللّه التيمي وكان العباس أحد فتيان بني هاشم وله يقول إبراهيم بن علي الشاعر : لما تعرضت للحاجات واعتلجت * عندي وعاد ضمير القلب وسواسا جعلت أسعى لحاجاتي ومصدرها * برا كريما لثوب المجد لباسا توفي في سجن المنصور سنة 145 ه - لسبع بقين من شهر رمضان وهو ابن خمس وثلاثين سنة .